سيد قطب

3747

في ظلال القرآن

النبي - صلى اللّه عليه وسلم - من أذى المشركين وصدهم عن الدعوة . وعلى أية حال فإننا نجد التوجيه إلى الصبر ، بعد التوجيه إلى القيام والذكر ، وهما كثيرا ما يقترنان في صدد تزويد القلب بزاد هذه الدعوة في طريقها الشاق الطويل ، سواء طريقها في مسارب الضمير أو طريقها في جهاد المناوئين ، وكلاهما شاق عسير . . نجد التوجيه إلى الصبر . « وَاصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ » . . مما يغيظ ويحنق ، « وَاهْجُرْهُمْ هَجْراً جَمِيلًا » . . لا عتاب معه ولا غضب ، ولا هجر فيه ولا مشادة . وكانت هذه هي خطة الدعوة في مكة - وبخاصة في أوائلها . . كانت مجرد خطاب للقلوب والضمائر ، ومجرد بلاغ هادئ ومجرد بيان منير . والهجر الجميل مع التطاول والتكذيب ، يحتاج إلى الصبر بعد الذكر . والصبر هو الوصية من اللّه لكل رسول من رسله ، مرة ومرة ومرة ؛ ولعباده المؤمنين برسله . وما يمكن أن يقوم على هذه الدعوة أحد إلا والصبر زاده وعتاده ، والصبر جنته وسلاحه ، والصبر ملجؤه وملاذه . فهي جهاد . . جهاد مع النفس وشهواتها وانحرافاتها وضعفها وشرودها وعجلتها وقنوطها . . وجهاد مع أعداء الدعوة ووسائلهم وتدبيرهم وكيدهم وأذاهم . ومع النفوس عامة وهي تتفصى من تكاليف هذه الدعوة ، وتتفلت ، وتتخفى في أزياء كثيرة وهي تخالف عنها ولا تستقيم عليها . والداعية لا زاد له إلا الصبر أمام هذا كله ، والذكر وهو قرين الصبر في كل موضع تقريبا ! اصبر على ما يقولون واهجرهم هجرا جميلا . . وخل بيني وبين المكذبين ، فأنا بهم كفيل : « وَذَرْنِي وَالْمُكَذِّبِينَ أُولِي النَّعْمَةِ وَمَهِّلْهُمْ قَلِيلًا » . . كلمة يقولها الجبار القهار القوي المتين . . « وَذَرْنِي وَالْمُكَذِّبِينَ » . . والمكذبون بشر من البشر ، والذي يتهددهم هو الذي أنشأهم ابتداء وخلق هذا الكون العريض « بكن » ولا تزيد ! ذرني والمكذبين . . فهي دعوتي . وما عليك إلا البلاغ . ودعهم يكذبون واهجرهم هجرا جميلا . وسأتولى أنا حربهم ، فاسترح أنت من التفكير في شأن المكذبين ! إنها القاصمة المزلزلة المذهلة حين يخلو الجبار ، إلى هذه الخلائق الهينة المضعوفة . . « أُولِي النَّعْمَةِ » مهما يكن من جبروتهم في الأرض على أمثالهم من المخاليق ! « وَمَهِّلْهُمْ قَلِيلًا » ولو مهلهم الحياة الدنيا كلها ما كانت إلا قليلا . وإن هي إلا يوم أو بعض يوم في حساب اللّه . وفي حسابهم هم أنفسهم حين تطوى ، بل إنهم ليحسونها في يوم القيامة ساعة من نهار ! فهي قليل أيا كان الأمد ، ولو مضوا من هذه الحياة ناجين من أخذ الجبار المنتقم الذي يمهل قليلا ويأخذ تنكيلا : « إِنَّ لَدَيْنا أَنْكالًا وَجَحِيماً وَطَعاماً ذا غُصَّةٍ وَعَذاباً أَلِيماً » . . والأنكال - هي القيود - والجحيم والطعام ذو الغصة الذي يمزق الحلوق والعذاب الأليم . . كلها جزاء مناسب « لأولي النعمة » ! الذين لم يرعوا النعمة ، ولم يشكروا المنعم ، فاصبر يا محمد عليهم صبرا جميلا وخل بيني وبينهم . ودعهم فإن عندنا قيودا تنكل بهم وتؤذيهم ، وجحيما تجحمهم وتصليهم . وطعاما تلازمه الغصة في الحلق ، وعذابا أليما في يوم مخيف . . ثم يرسم مشهد هذا اليوم المخيف : « يَوْمَ تَرْجُفُ الْأَرْضُ وَالْجِبالُ وَكانَتِ الْجِبالُ كَثِيباً مَهِيلًا » . . فها هي ذي صورة للهول تتجاوز الناس إلى الأرض في أكبر مجاليها . فترجف وتخاف وتتفتت وتنهار . فكيف بالناس المهازيل الضعاف !